محمد جمال الدين القاسمي

484

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الثاني أبدا يكون أعلى رتبة ، فمعارض بأمثلة لا تقتضي ذلك . كقول القائل : ما عابني على هذا الأمر زيد ولا عمرو . قلت : وكقولك لا تؤذ مسلما ولا ذمّيّا . فإن هذا الترتيب وجه الكلام . والثاني أدنى وأخفض درجة . ولو ذهبت تعكس هذا ، فقلت : لا تؤذ ذميّا ولا مسلما ، ليجعل الأعلى ثانيا ، لخرجت عن حد الكلام وقانون البلاغة . وهذا المثال بين ما يورد في نقض القانون المقرر . ولكن الحق أولى من المراء . وليس بين المثالين تعارض . ونحن نمهد تمهيدا يرفع اللبس ويكشف الغطاء . فنقول : النكتة في الترتيب في المثالين الموهوم تعارضهما واحدة . وهي توجب في مواضع تقديم الأعلى ، وفي مواضع تأخيره . وتلك النكتة مقتضى البلاغة التنائي عن التكرار والسلامة عن النزول . فإذا اعتمدت ذلك فمهما أدى إلى أن يكون آخر كلامك نزولا بالنسبة إلى أوله ، أو يكون الآخر مندرجا في الأول ، قد أفاده . وأنت مستغن عن الآخر فاعدل عن ذلك إلى ما يكون ترقيا من الأدنى إلى الأعلى ، واستئنافا لفائدة لم يشتمل عليها الأول . مثاله الآية المذكورة . فإنك لو ذهبت فيها إلى أن يكون المسيح أفضل من الملائكة وأعلى رتبة ، لكان ذكر الملائكة بعده كالمستغنى عنه . لأنه إذا كان الأفضل وهو المسيح ، على هذا التقدير ، عبدا للّه غير مستنكف من العبودية - لزم من ذلك أن من دونه في الفضيلة أولى أن لا يستنكف عن كونه عبدا للّه ، وهم الملائكة على هذا التقدير . فلم يتجدد إذا بقوله وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ إلا ما سلف أول الكلام . وإذا قدرت المسيح مفضولا بالنسبة إلى الملائكة ، فإنك ترقيت من تعظيم اللّه تعالى بأن المفضول لا يستنكف عن كونه عبدا له ، إلى أن الأفضل لا يستنكف عن ذلك . وليس يلزم من عدم استنكاف المفضول عدم استنكاف الأفضل . فالحاجة داعية إلى ذكر الملائكة . إذ لم يستلزم الأول الآخر . فصار الكلام على هذا التقدير تتجدد فوائده وتتزايد . وما كان كذلك تعين أن يحمل عليه الكتاب العزيز . لأنه الغاية في البلاغة . وبهذه النكتة يجب أن نقول : لا تؤذ مسلما ولا ذميّا . فتؤخر الأدنى على عكس الترتيب في الآية . لأنك إذا نهيته عن إيذاء المسلم ، فقد يقال ذاك من خواصه احتراما للإسلام . فلا يلزم من ذلك نهيه عن الكافر المسلوبة عنه هذه الخصوصية . فإذا قلت : ولا ذميّا - فقد جددت فائدة لم تكن في الأول . وترقيت من النهي عن بعض أنواع الأذى ، إلى النهي عن أكثر منه . ولو رتبت هذا المثال كترتيب الآية ، فقلت : لا تؤذ ذميّا ، فهم المنهيّ أن أذى المسلم أدخل في النهي . إذ يساوي الذميّ في سبب الاحترام وهو الإنسانية مثلا ، ويمتاز عنه بسبب أجلّ وأعظم وهو الإسلام . فيقنعه هذا النهي عن تجديد نهي آخر عن أذى المسلم .